تخطَّ إلى المحتوى
انطلقت النسخة الرقمية من موسوعة أعلام بَهلا — تصفّحوا التراجم الآنأكثر من ١٬١٢٥ عَلَمًا من علماء بَهلا وفقهائها وشعرائها ونُسّاخهامنصّة عمل لفريق البحث لإدخال التراجم وتوثيقها ومراجعتها واعتمادها
شاعر، فقيه، قاضٍ

خلفان بن محمد الحارثي

خلفان بن محمد بن عبدالله الحارثي

مكتملة

خلفان بن محمد بن عبدالله الحارثي.

من سمد الشأن بولاية المضيبي. ولد في ٢٠ رجب ١٣٨٥هـ.

تعلم مبادئ العلوم في بلده، ثم التحق بمسجد الخور في مسقط، فدرس ثلاث سنوات عند الربيع بن المُرّ المزروعي (ت:١٩٨٢م) وسعيد بن راشد الخنجري وأحمد بن حمد الخليلي.

وفي يناير۱۹۸۲م بدأ دراسته في معهد إعداد القضاة، لمدة ثماني سنوات، وتخرج سنة ۱۹۹۰م بدرجة امتياز، حاصلاً على المركز الأول في تخصص قضاء.

سافر سنة ١٩٩٤م إلى مصر للدراسة في جامعة الأزهر بكلية الشريعة والقانون، وأعد رسالة في موضوع «الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي وأثره في الفقه الإسلامي»، وحصل على درجة الماجستير بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف بتاريخ: 11 أغسطس ۱۹۹۸م.

رشحته وزارة العدل لنيل درجة الدكتوراه في مجال العلوم الشرعية، وتمت الموافقة له في إعداد رسالة بعنوان «القواعد الفقهية عند الإباضية؛ دراسة مقارنة بالمذاهب الأخرى»، ولكنه لم يستطع إكمالها بسبب ظروفه المرضية.

ترك ديوان شعر مخطوط منه قوله في المناجاة:

متى سأبلغ شكر الفضل إن حصلت بالشكر أضعاف إفضال وإحسان

يا رب إن قصد الأقوام نحو فتى يرجون جدواه في شعر وألحان

فقد قصدتك في نظم الثناء وما أجدتُ لكن جميل العفو أغراني

وأنت مع ظن من يدعوك يا سندي فاكتب نجاتي وعَجِّلْ مُصلحاً شأني

شغل مساعد قاض بولاية عبري سنة ١٩٩٠م، ونائب قاضٍ بمحكمة أدم عام ۱۹۹۳م، وعمل قاضياً في ولاية صحار سنة ۱۹۹۷م، وقاضي الاستئناف بنزوى سنة ٢٠٠١م، ثم قاضياً بالمحكمة العليا بوزارة العدل وعضو في جهاز التفتيش القضائي، وتم اختياره مفتياً للبعثة العمانية ثلاث مرات.

شارك بأوراق بحثية في ندوات فقهية؛ منها: «الفقه القضائي عند الإمام محمد بن محبوب» و«كتاب الدعائم لابن النظر.. دراسة مقارنة» و«القواعد الفقهية عند الإمام ابن بركة».

أصيب خلفان بن محمد الحارثي بالسرطان سنة ۲۰۰۰م، وتوفي بسببه بعد عشر سنوات في ٢٩ إبريل ۲۰۱۰م، ودفن بسمد الشأن.

رثاه خميس بن راشد العدوي بمقال نشره في ملحق «شرفات» بجريدة «عمان»، بتاريخ: 15 مايو 2010م، جاء فيه:

(ركبنا السيارة بعد أن ودعنا عبدالله بن يحيى الحارثي، وعندما أخذنا في الانطلاق قال خالد الوهيبي: الخسارة في رحيل الشيخ خلفان الحارثي؛ إنه مشروع لم يكتمل. فوراً تذكرنا نور الدين السالمي بأنه مثال على المشروع المكتمل، رغم أن رحيل الاثنين في نفس العمر تقريباً؛ حوالي 46 عاماً، المقارنة غير نصية بين الشخصين، إذ لكل واحد منهما مشروعه، ولكل منهما ظرفه وزمانه المختلفين جداً.

ليس من الشرط أن يكتمل أي مشروع في حياة صاحبه، والأكثر من ذلك ربما أن الحارثي لم يكن يدرك أنه كان يؤسس لمشروع فيما لو اكتمل لن يقل أهمية عن غيره من المشاريع التي تمس صميم الأمة، مع الاختلاف في تركيبة كل مشروع، قد تبدو هذه مبالغة لمن لم يقف على تجربة القاضي خلفان الحارثي، ولكن رجائي هنا أن أتمكن من تبديد شيء من هذه المبالغة.

عندما بلغني خبر وفاة صديقي القاضي خلفان بن محمد الحارثي؛ المفتش القضائي بالمحكمة العليا، لم يكن نبأ مفاجئاً بالنسبة لي رغم ثقله، وربما للكثيرين ممن كانوا يعرفونه، فهو قد عانى من المرض لما يقارب عقداً من الزمن، كان يكافح السرطان بنفس مطمئنة، كما كان يعمل في الحياة بهدوء وسكينة، كنت متهيئاً لخبر موته، ولكني مع ذلك كنت أتعامل مع وجوده الذاوي وكأن دفقات حياته في أوجها، ولما مات لم أشأ أن أحضر دفنه أو عزاءه، لأجعله حاضراً في نفسي، وكأن مشروعه مستمر في النماء، فثمة أناس ترغب بأن تشعر بحياتهم بعد موتهم، فتستحضر ديناميكيتهم كل حين، وأناس آخرون تشعر بموتهم في حياتهم، فتطوي صفحتهم من كراس حياتك، بالنسبة لي كان القاضي الحارثي من الصنف الأول، فآثرت أن لا أشهد أي رسم من مراسم رحيله الأخروي.

سرعان ما نبتت في رأسي فكرة أن أحفظ لصديقي خلفان الحارثي شيئاً مما قد يمدّ استمرار وجوده، فحملت مقترح أن يقوم أهله، ومن شاء من تلاميذه، بتجميع أعماله الفقهية والدعوية والأدبية، ورسالته في الماجستير، وترجمة حياته، في عمل واحد يخرج تحت اسم «الأعمال الكاملة للقاضي خلفان الحارثي»، حملت المقترح إلى خالد بن مبارك الوهيبي وأحمد بن علي الحارثي، فوجدت لديهما نفس الفكرة، ثم توافقت إرادتنا نحن الثلاثة بأن نقوم بزيارة ابن أخ القاضي وصهره عبدالله بن يحيى الحارثي لنواسيه بفقدان شيخه وعمه القاضي، ونضع المقترح بين يديه.

10 مايو 2010.. كانت زيارتنا لعبدالله بن يحيى في هذا اليوم بعد صلاة العشاء، دلفنا نحن الثلاثة إلى المجلس الذي استقبلنا فيه آخر مرة القاضي قبل أكثر من سنتين، كنا يومها أنا وخالد الوهيبي وزكريا المحرمي، كنت في هذه الزيارة الأخيرة استشعر وكأن القاضي بيننا قد أخذ مكانه، قدمت لعبدالله كتابنا «السنة: الوحي والحكمة»، قلتُ له وأنا أقدم له الكتاب: هذا الذي كان يرجو القاضي ظهوره، وكان يسألني عنه، فأرد عليه: قريباً ستراه عيناك بإذن الله.

صدر الكتاب، ولا يزال القاضي الحارثي حياً، إلا أنه يعاني وطأة المرض المبرحة، فلم أشأ أن أبعث له بنسخة من الكتاب، ولكن –وها هو قد رحل عن الفانية– يحسن بنا أن يبقى في مكتبته ليخلد صداقة دامت بيننا قرابة عقدين من الزمن، ولتتحقق له رغبة أثيره إلى نفسه ولو بعد موته.

استأذنا من مضيفنا، وبعد أن ركبنا السيارة قال خالد الوهيبي مقولته التي ذكرتها في الأسطر الأولى، كان بطني يومها يعاني من مغص، فرأيت أن أنزل عند مطعم تركي بجوار بيتنا في الغبرة يقدم اللبن بالثوم، وهي النصيحة الأبدية التي يقدمها لي أحد أساتذتي لكثير من الأوجاع، ولا أدري مدى نجاعة هذه الوصفة؛ إلا أنني قد استمرأت تناولها كلما ألمَّ بي وجع.

نزلت إلى المطعم، وكان مزدحماً بالزبائن، فطلبت ما أريد، طال الوقت؛ وغرقت في التفكير ريثما تجهز لي وجبتي.

«الشيخ خلفان الحارثي.. مشروع لم يكتمل».. هكذا بدأ دماغي يلج سراديب التفكير التي لاشت عنه اللغط والزحام في المطعم، أو بالأحرى لاشت دماغي عن كل ذلك.

تذكرت رواية قرأتها قديماً بعنوان «دموع على سفوح المجد» لعماد زكي، ملخصها؛ شاب يتدفق بالحياة، ذكي إلى حدِّ العبقرية، يتفوق في دراسته في الطب، ويتخصص في بحوث علاج السرطان، وتتحقق على يديه وهو لا يزال على مقعد الدراسة إنجازات مذهلة تقترب من إيجاد علاج نهائي لهذا المرض القاتل بغموض، وعلى حافة تخرج الشاب، ومشارفته على الحياة العملية، وآماله العريضة في دنيا خالية من المنغصات، وعقد قرانه بمن أحبها، يقفز عليه الموت فجأة في الطريق فيرديه بحادث سير.

كانت نهاية الرواية بالنسبة لي مؤلمة، لكني بعدها أخذت أستجر الكثير من المشاريع التي لم تكتمل في حياة أصحابها، وكان منها مشروع القاضي الحارثي.

تسكعت في دهاليز التفكير؛ وقلت: ماذا لو كانت رواية «دموع على سفوح المجد» واقعة أحداثها فعلاً، إلا أنها أخذت مساراً آخر؛ مساراً يكمل فيه هذا الشاب أمله، فينتج للبشرية عقاراً ينقذها من أنياب هذا الوحش المفترس بلا هوادة، أكان صديقنا الحارثي الآن مضطجعاً تحت أطباق الثرى؟ ألم يكن قد خطا خطوات مهمة في إنجاز مشروعه؟

آهٍ.. لهذه الحياة، ما أشبهها برواية عابرة، في كليهما: السرطان، شاب ذو هدف، مشروع لم ينجز، نهاية محزنة. بيد أن الحياة تستمر ولا تتوقف.

فجأة سمعت الصخب مرة أخرى عندما وضع لي عامل المطعم التركي طلبي من الطعام الذي لم يكن دسماً؛ مع كوب من اللبن المخفوق بالثوم، تناولته سريعاً، ثم دفعت ما عليَّ من حساب، لم يكن كثيراً؛ كان ريالاً واحداً، بما يتناسب مع وضع «بخشة نقودي».

البداية.. لازلت مُحدَثاً في العمل بمكتب الإفتاء في وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية، عندما سمعت عن خلفان بن محمد الحارثي بأنَّه شاب فقيه لديه قدرات دعوية، كان يرغب بأن يكون مدرساً في معهد القضاء الشرعي –المسمى السابق لمعهد العلوم الشرعية– بينما المفتي العام للسلطنة يريده أن يكون قاضياً في ولاية عبري ليقوم بالدعوة بين الناس، وفي إطار المفاوضات بين الرجلين كان القاضي يتردد على مكتب الإفتاء، فوقع التعارف بيننا، وقد رجحت كفة المفتي فعمل الحارثي قاضياً في عبري، ثم تنقل في عدة ولايات منها صحار.

وفي تردده هذا كان يمر عليَّ في مكتبي، ونتحدث وقتاً عن ضرورة الإصلاح الفقهي لدينا في عمان، في تلك المدة كانت تتبلور لدي قضية الإصلاح الفكري، إذ كنت قبل ذلك أتصور أن الخلل في انصراف الناس عن الدين، وليس فيما نملك من تصورات معرفية، ولذلك يكفي القيام بالدعوة بين الناس ليؤوبوا إلى الاستقامة على صراط الدين، إذن؛ هذا الرجل لديه رؤية مختلفة، الخلل ليس في الناس وحدهم، بل وفيما يتوقعون الخلاص فيه، قال لي ذات مرة: ركام الروايات هو ما نخاف منه على تديننا، إنه تيار إقصائي، يجب إعادة النظر في فقهنا المعاصر، ينبغي فتح المجال للشباب لكي يقدموا رؤيتهم، فلعل ما لديهم يوسع دائرة الرأي ويثري ساحتنا الفقهية والمعرفية.

قلت له: إذن عليك وأمثالك من الفقهاء المدركين للأمر أن تقوموا بهذا.

فرد عليَّ: لابد أن يسبق ذلك خطوة أهم، وهي قناعة من سبقنا بضرورة التجديد، وأن يفسح المجال له، وإلا لحدث نوع من الرفض.

فقلت: اسعَ أنت ومن تراه مناسباً لإرساء هذه الخطوة.

قال: الأمر صعب.

قلت: هل يعني ذلك الوقوف عند هذا الحدِّ؟

كان هذا الحوار بيننا وأنا أودعه إلى المصعد، فضم فيه جسده النحيل؛ والذي زاده نحالة تمنطقه بالخنجر، وقال بصوت لا يكاد يسمع وباب المصعد يغلق: لا، بل يجب المضي.

كنت أتحسس الأجواء من حولي؛ متى يمكن لمشروع إصلاحي أن يظهر؟ حينها شعرت أن الجو آخذ بالانكشاف عن كوكبة قادرة على البدء في تقديم رؤية جديدة، يمكن أن تزهر مع مرور الأيام، على أن هناك فريقاً كان يتذمر من حالة الانسداد التي وصل إليها حقلنا الفقهي وخطابه وهم الأكثر، بحيث يمكن أن أصنفهم في الأكثرية الصامتة.

كان للقاضي طريقته للمضي في هذا المسعى، بدأت تظهر في الأوراق البحثية التي يقدمها في الندوات، وفي المحاضرات والدروس المسجدية، وفي تلامذته الذين عني بتوجيههم، ورغم هدوئه كان يصل إلى مسامعنا بعض التذمر من طرحه.

- من صحار إلى الخوير..

مرت الأيام؛ تارة نلتقي وتارة نتواصل عبر الهاتف، حتى ظهر كتابنا «الإيمان بين الغيب والخرافة» فاتصل بي أحد تلامذته في صحار بالهاتف وهو علي الحامدي، وكان من مجايليَّ في الدراسة بجامعة السلطان قابوس، إلا أن معرفتي به ليست وثيقة، وقد التقينا مرات خاطفة دون أن تتطور العلاقة بيننا إلى صداقة، عرّفني الحامدي بنفسه، وقال: أنا علي الحامدي من صحار، كنا معاً أيام الدراسة بالجامعة، والتقينا بعض الأحيان، ألا تذكرني؟

قلت له: بلى، أذكرك.

قال: أريد أن أشكرك على إصدار كتابكم «الإيمان بين الغيب والخرافة».

وأخذ يمتدح الكتاب بما يجعلني أتقاصر عن إيراده هنا، ومن يومها تطور الأمر إلى صداقة بيننا، ما يخص موضوعنا هنا أنه قال: لقد نصحنا الشيخ خلفان الحارثي بقراءة كتابكم «الإيمان»، وأن نتدارسه مع الشباب، وأن ندرّسه لإخوتنا وأبنائنا.

إذن هذه الخطوة التي كان القاضي الحارثي يريد المضي فيها.

ثم تلاحقت الأيام سراعاً من إعجاب الناس بالكتاب وأهميته، وضرورة وجوده في ساحتنا الفكرية، إلى الموقف السلبي تجاهه الذي أثار الكثير من اللغط.

لما لمس القاضي هذا التحول اتجاه الكتاب اتصل بي وقال: أريدك أنت وخالد الوهيبي وزكريا المحرمي تزوروني في بيتي، فكانت زيارتنا له بداية عام 2008م.

استقبلنا في المجلس الذي كنا فيه مع ابن أخيه من أيام قريبة بمنزله في الخوير، وبعد إبداء القاضي إعجابه بالكتاب، وتقديمه رؤية جديدة ومهمة في خطنا الفكري، وقد وجّه طلابه إلى قراءة الكتاب، قال: أنتم ترون ما آل إليه الأمر من تداعيات تجاه الكتاب، فهل يمكن استرضاء الوضع من قبلكم؟

قلنا: الوضع لا يسترضى إلا بالتراجع عن الكتاب، وهذا لا يمكن، إذ الكتاب قائم على محددات علمية، وليس طلقات كلامية مفرغة في الفضاء.

قال: لا أدعوكما إلى التراجع عن الكتاب، فأنا أعرف أهميته، ولكن أليس من سبيل إلى خروج من هذا المضيق؟

قلنا: نحن أعيتنا الوسائل، فهل لديك أنت وسيلة؟

سكت ثم قال: أطلب منكم أن تواجهوا الأمر بكل هدوء، وأن لا تردوا بانفعال.

قلنا: هذا ما وطّنا عليه أنفسنا، ونحن لا نعتدي على أي إنسان، ولا نثور في وجه أحد، كبيراً كان أو صغيراً.

قال: من طرفكم هذا مهم، لكن ما أتوقعه وأخشاه هو مواصلة الطرف الآخر ردوده العاصفة.

قلنا: نحن نتفهم الوضع، وسنواجه العاصفة بكل لين وصبر.

مرة أخرى تأكد لي أن مشروع القاضي الحارثي هو إعادة قراءة التفكير الفقهي وإعادة بنائه من جديد وفق منهج أكثر حداثة واتزاناً، ولكن بهدوء ودون أي إثارة.

كنت أنظر إلى طريقة تنفيذ مشروعه بأنها رائعة لو أن الإنسان يملك أعماراَ إلى عمره، لأن الإنسان قد يفرض الهدوء والاتزان على نفسه، ولكن أنى له أن يكون هذا مرتسماً في كل الناس، ومهما مرت الأيام فهناك من سيعارضه، ولذلك ما يملكه المرء هو أن يلقي كلمته بدون أن يعتدي على الآخرين، وفي المقابل يتحملهم فيما إذا صدر شيء منهم، وهذا خط الرسل كما تعلمناه من القرآن الحكيم.

في سمد الشأن.. مرت الأيام، وكنت أزور القاضي في بلده بسمد الشأن، وكان كل مرة يسألني ما الجديد؟ فأجيبه بما صدر من كتابات وكتب في ساحتنا الفكرية والثقافية، وآخر مرة قلت له: لقد صدر لي كتاب «رواية الفرقة الناجية: المنطق والتحليل»، ولكن للأسف لم أحضر لك منه نسخة، وفي المرة القادمة سآتيك بها، وكان هذا قبيل شهر رمضان المنصرم.

ثم سألني عن كتابنا حول السنة؛ متى يصدر؟

قلتُ له: قريباً، من المفترض في رمضان أو بعيده، ولما يصدر آتيك أيضاً بنسخة منه، أظن أنه لم يُكتب له أن يرى كتاب «السنة: الوحي والحكمة».

في مساء الجمعة السابع من رمضان 1430هـ تلقيت منه رسالة نصية عبر النقال، تقول: (بارك الله فيك، ونفع بك.

لقد وجدت اليوم «رواية الفرقة الناجية»، وتمكنت من قراءتها بفضل الله فهي رائعة. وتقبل الله صيامك).

وهكذا يبدي إعجابه بالكتاب، ويقف دون أن يكمل، وكأنه يقول: اكملوا باقي المشروع. هل كان لحظتها مستشعراً قرب منيته، ويريد من يكمل عنه مشروعه، أو كان يريد أن يقول لي: رائع أن تكتب وكن على هدوئك السابق. أو أنه أمر آخر رحل دون أن يبديه؟

مهما اختلفنا حول مشروعه، ما حقيقته؟ وهل لديه أصلاً مشروع؟ وهل هو مشروع إصلاح الحقل الفقهي، أم هي مجرد إسقاطات نفسية من قبل كاتب هذه الأسطر؟ مهما اختلفنا حول ذلك، فلا أظن أننا نختلف حول خلقه المكتمل الذي كان سجيته طول عمره؛ الهدوء، الاتزان، الحلم، الصدق، محبة الخير للناس، وسعة صدره لهم، وأخيراً صبره الذي تكلل في مرضه العصيب الذي طالت أيامه.

20 إبريل 2010.. رحل القاضي خلفان بن محمد الحارثي ليكمل حياته. ورحم الله تلك النفس الجميلة، وفيأها الكمال والجمال).

المراجع

لم تُضَف مراجع لهذا العَلَم بعد.