جمال الغيطاني
جمال أحمد الغيطانى علي
جمال أحمد الغيطانى علي، وُلد بتاريخ: 9 مايو 1945م في قرية جهينة بمحافظة سوهاج بصعيد مصر. انتقل إلى القاهرة في طفولته، حيث تأثر بالثقافة الشعبية والتراث المعماري والتاريخي للقاهرة في حي الجمالية. بدأ حياته العملية في الصحافة، فعمل في جريدة «أخبار اليوم»، وشغل منصب مراسل حربي خلال حرب أكتوبر 1973م. أسس جريدة «أخبار الأدب» عام 1993م، وتولى رئاسة تحريرها حتى تقاعد عن الوظيفة عام 2011م.
الغيطاني من جيل ستينات القرن العشرين الميلادي في الأدب العربي الحديث، وقد جمع أسلوبه بين التراث والحداثة، مستفيداً من التصوف والفلسفة الإسلامية والتاريخ الوسيط، مع تأثره بروايات الأدب العالمي.
من أعماله: «الزيني بركات» و«وقائع حارة الزعفراني»، و«رسالة البصائر في المصائر»، و«كتاب التجليات»، و«دفاتر التدوين»، و«خطط الغيطاني»، و«ملفات التاريخ». وحصل على جوائز أدبية؛ منها: جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2007م، وجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2009م، وجائزة سلطان العويس الثقافية عام 1997م.
زار جمال الغيطاني حصن جبرين بولاية بَهلا عام 1994م، ووثّق زيارته في كتابه «دفاتر التدوين».. الدفتر الأول «خلسات الكرى». الكتاب نص صوفي تأملي يمزج بين النثر الشاعري واليوميات الروحية، مستلهماً التراث العربي الإسلامي، ويتناول قضايا الوجود والزمن عبر أحلام وخواطر بأسلوب أدبي.
خصّص الغيطاني فصلاً بعنوان «جبرينية»، وصف فيه زيارته الحصن ومكوناته، نصه:
(أيتها، انفردت بها وجرى بيني وبينها ترسل في عمان، انفجر حضورها في إستانبول وجرى التحقق في حصن جبرين، لكن.. قبل التطرق لابد من وصف حال عرفته، أعني تحقق ما نتوقع حيث لا يخطر لنا ببال، وربما كان الموت اجل مثال. ذلك أنه يواتي بغتة، حتى مع تهيؤ الحال، مثل الحرب وسلسال المرض، لا يمكن تعيين اللحظة التي يكتمل عندها ويحل، لا يرصده إلا صفوة من خلاصة القوم أوتوا قدرة على رصد دبيبه والمصالحة معه، ومن هؤلاء ندرة يمكنهم التنبؤ بدقة.
أما حالي فوعر، ذلك أني دائم المنازلة لمن لا يدرك، لذلك طال صراعي مع نفسي، ليال ثقيلة الخطي تدب علي، أتوقع اكتمالي؛ ألّا تطلع علي الشمس، غير أن ما أتوقعه لا يتحقق. لم أكف رغم يقيني غموض اللحظة، وجهلي بالمختتم، يطول عنائي فيخيل اليّ أن احتضاري بدأ عند ميلادي!
ما نرغبه، ما نرهبه، يحل دائماً حيث لا نتوقع، خرجت من الفندق ذلك الصباح الحاد، مضيت بصحبة صديق حميم، أحمد الفلاحي نزيل مسقط، عرفته عند إقامته القاهرية التي امتدت سنوات عديدة، نادر لقاؤنا إلا أن الود موصول. واذ نلتقي بعد غيبة سنين نستأنف حديثنا فكأننا لم نفترق إلا بالأمس.
مررنا بنزوى، توقفنا بأسواقها وحصنها، وتحسر صاحبي على نقص المياه في أفلاجها وموت كثير من النخيل، وتناقص الخضرة، جلنا بقلعة الرديدة، توقفت مصغياً إلى الصمت داخل الأفنية الداخلية حيث اللانهائية مستوعبة، والأسرار لا تلغي الإحساس بالخلاء الممتد. ثم بلغنا جبرين، وعند دنونا أدركت أن ما مررنا به مجرد مراحل، مدارج وصول إلى هذا الحصن الوردي، منذ اقتربنا بدأ عندي استنفار غير مبالغ فيه، بيوت قليلة متباعدة، متواضعة، النخيل غالب والأشجار قليلة.
بعض الأماكن تمنحني الاحساس بالبداية، وأخرى تؤكد لي نهاية ما، هنا مفتتح الخلاء الكوني، أفق راسخ هادئ، قريب بعيد، وسطه ينبثق البناء، من مسافة معينة يبدو دائرياً مصمتاً، مع قطع مسافة باتجاهه يبدو مربعاً ثم مستطيلاً، متصلاً ببعضه ومنفصلاً، إذا وقف المرء القادم من عمق المدى يرده كما يشاء؛ مستطيلاً أو دائرياً، جدران مصمتة تماماً أو مرشوق الفتحات، بالنسبة لي جرى عندي توقع وتشوف.
باب صغير مؤدٍّ إلى الفناء التمهيدي، باجتيازه يتم العبور من حضور إلى حضور، من واقع الى آخر مغاير، بل من كون إلى كون، باب ضيق؛ لا ينبىء أبداً بما يليه، لا يتيح الولوج للقامة المنتصبة، لابد من انحناء شديد، لعمق الصمت يمكن الإصغاء إلى صوته، هسيس يُرَى بالنظر.
سجن إلى اليمين عند الحافة، أول ما يقابل الداخل، وآخر ما يراه الخارج، فتحة لا تتيح الدخول إلا للمنحني. مخزن التمر؛ تمتد داخله ألواح خشبية بينها فرجات تتيح للعسل أن يتدفق إلى أوان خزفية. نرتقي درجاً سهلاً، محرضاً على الصعود، على الإيغال. عند مستوى مرتفع قليلاً حجرات النساء، تحتهن مباشرة السجن، سقفه أرضية جناحهن، أرصد الرغبات المكمورة والفورات المقموعة، والأحلام الكابية. أجيل البصر مصغياً، أصغى إلى المتبقي.
لا أدري أي تعبيرات مرت، بدت، دعت صاحبي أحمد يتساءل: فيه شيء؟ نفيت، عاد يستفسر: أنت متعب؟ قلت: أبداً.. أبداً.
لكنه بدأ يتخلف عني، يتيح لي الانفراد، ولا يتكلم إلا نادراً. حتى أدركت بعد لحيظات أنني بمفردي، وأنه ينتظر في مكان ما، وأن اللقاء سيتم في النهاية، المسار محدد، صارم، مرتب.
ممر قصير، بداية سلم متعدد الدرجات، ضيق، زاوية ارتقائه مصممة بحيث لا يمكن رؤية آخره حتى مع الصعود، مستمر، ما من شيء يليه. هذا ما خُيّل إليّ في الممر القصير، أيضاً في جناح النساء، يبدو أي جزء وكأنه الكل، لا يليه شيء.
قوس حجري يعلو السلم، وللأقواس عندي شأن، ولي في مواجهتها أمور، وللأقواس أمة في مسجد قرطبة الجامع، المنحنى عندي أقرب، إنه الأنسب والأدق تعبيراً عن المسيرة، فكل الخطوط، كل الطرق بها ميل، ولو أنها مستقيمة لما أدت إلى غاية، فلا يؤدي الطريق إلى آخر إلا إذا كان به ميل، الاستقامة وهم، لأن الكوكب دائري، والكون أكري.
أعلى القوس أبيات، أتوقف لأقرأها، ثم لأنسخها..
نزلنا ها هنا ثم ارتحلناكذا الدنيا نزول وارتحال
ظننا أن نقيم بها ولكنمقام المرء في الدنيا محال
31 محرم 1139 هجرية.
ما يقرب من ثلاثة قرون، من أنشد الأبيات رحل، ومن كتبها مضى، ومن يقرأها الآن سيتبعهما.. اقرأ ما يلي الأولى.
ولابد أن أسعى لأشرف رتبة وأحجب عن عيني لذيذ قيامي
وأقتحم الأمر الجسيم بحيث أنْ أرى الموت خلفي تارة وأمامي
ينتهي الدرج إلى بسطة تليها زاوية، باب خجول متوارٍ، حجرة فسيحة، نقية الضوء، تبدو مصمتة، لكن بعد تدقيق أرى نوافذ وبابين، لا تظهر الفتحات إلا عند الحاجة إليها.
أتأكد مما وضعت يدي عليه، كل موضع يبدو كأنه الغاية، المحطة القصوى التي لا تليها أخرى، لكن عند لحظة معينة، موضع بعينه، ربما مع الحركة، مع النظرة، مع حلول خاطرة وافدة، مع بلوغ نَفَس معين؛ إنْ شهيقاً أو زفيراً، ربما مع دفقة قلب، تُرَى كم دقة، كم خفقة منذ رجفة الأولى حتى رعشة الاخيرة، هل يمكن الإحصاء والتدقيق، مع مراعاة التمهل والهروع خاصة عند تحقق العشق؟
مع توالي الأنفاس تظهر الانفراجة، تبدأ الصلة بالمرحلة التالية، هكذا يتقدم المكان مصحوباً بالزمن الخاص به، تولد الغرفة من سابقتها، يخرج الممر من الممر، ويلي الدرج شبيهه، هكذا يمكن الاستمرار إلى ما لا نهاية، أو إلى حد معين يصعب التنبؤ به، بل إن بعض الأماكن توجد بمجرد التفكير فيها. وتختفي مع اضمحلال التصور، هكذا تتباين المساحات طبقاً للحالة النفسية التي يمر بها المرء، فإذا كان مغموماً وعنده شجى تتقارب الأسقف وتدنو الجدران، وبحلول الفرح وتفجر النشوة تتسع الصالات ويبدو بعضها أفسح من ميدان.
رغم فرحي وانبهاري باكتشاف الخاصية لكن قلقاً بدأ يسري، أصبحت الآن أتوقع غرفاً أو قاعات تالية، هكذا يقوم ما تخيلت، ويمتد ما رغبت، فمتى المخرج؟
أين سألقى صاحبي أحمد الفلاحي؟
لابد أن من سبقوني كان لديهم تصور محدد مسبق، يعرفون عدداً معيناً من الغرف والصالات والطوابق، أوصاف مدونة لا يستطيعون تجاوزها، لكن ما وقعت عليه، ما تأكدت منه لم يخبر عنه أحد.
أستعيد ملامح صاحبي، هل كان يعرف؟ هل اطلع على ما بدأت أدركه منذ بلوغي أول الدرج؟ عندما بدأ يتراجع ليتركني أتقدم وحيداً، لماذا لم يطلعني إذن؟ دائماً ينظر إليّ حائراً مستفسراً. حجمه الدقيق، نحوله الهادئ، لحيته وعيناه العميقتان، كيف لم انتبه إلى طلته الماضية إلى بعيد، كيف لم انتبه؟
أتمهل.. كم مضى عليّ؟ تنبئ الساعة حول معصمي أنني أمضيت ساعة أو ساعتين منذ ولوجي، لكن يمكن أن يكون ذلك اليوم أو أمس أو الشهر الماضي أو منذ عامين أو بعد سنوات! للزمن إيقاع خاص. وإلا لماذا أوقن إنني تقدمت في العمر مدى، وأنه دُفِع بي عدة مراحل، بعيداً عن لحظة ميلادي. جرى الكثير في الزمن القليل، وهذا ما سيقع لي مرة أخرى في وضع أجلى وأوضح. أمضي بطيئاً مستوعباً ما يتكشف لي. خصائص وأحوال لا تبدو إلا لمن عنده التمكن واحتمالات القبول. من يحدد؟ من يفرق بين من يتفقد البناء فلا يدرك منه إلا الجدران والقاعات والممرات والمنحنيات، وبين من ينشئ التكوين طبقاً لما يتراءى له، لما يرد على مخيلته؟
لا أعرف، وما من إجابة شافية عندي، أو لدى صحبي من أهل عمان، الذين عرفتهم على البُعد، أو أولئك الذين اقتربت منهم مثل صاحبَي الفلاحي والرحبي.
عند مرحلة معينة تفتحت لي طاقات أربع، كل منها توازي جهة من الجهات الأصلية، من إحداها كان الإمام بلعرب يتطلع في لحظات معينة فيرى الضفاف كلها قبل حوالي أربعة قرون، يجتاز الواحة المحيطة ببصره، والمرتفعات النائية أو الدانية، يبلغ ضفاف الأفلاج والأنهار الجارية والبحيرات الشاسعة والمحيطات الخضم، الضفاف الفاصلة بين اليابسة والماء، بين المحدود واللانهائي، بين المدرك المعاين وما لا يمكن بلوغه، إنها الفوارق! ادقق حتى أدرك مسارات كل تطلع تم عبر تلك الطاقة، بل وألم بالانعكاس الواقع على الحدقتين، أصغي إلى أصداء شهيق وزفير لعابرين قدامى.
أبلغ قاعة النجوى، مستطيلة ممتدة، لا يتم الجلوس فيها إلا لفرد، بشرط أن يصمت، أن يتأمل، أن يطرق متأملاً، مدبّراً فحص الأحوال، فإذا خرج عن هذا الحال اختفت.
القاعة التالية للمفاوضة، كان الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي يجتمع فيها بمن جاء لمشاورته، أو نصحه، أو مفاوضته. لا يكون بمفرده رغم أنه يبدو للقادم الغريب وحيداً، ذلك أن الحجرة محاطة بخندق يكمن فيه حراس أشداء، مدربون على الظهور المفاجئ عبر الأبواب المتحركة المخفاة بأبسطة فارسية، يظهرون عند سماع صوت معيّن، فلا يقدر على ردهم أحد.
مكثت وقتاً غير محدود في قاعة النجوى، لا أظن أنني بلغت مكاناً في شتى مرات ترحالي يجسد الإحساس بالعزلة كما أدركت في تلك القاعة بُعداً قصياً، ونأياً موغلاً. لم أعرف هذا التوحد بالصمت حتى في أيام سجني بزنزانة القلعة المعزولة. هنا تنبت كافة الصلات، حتى لتكف الصور عن التدفق إلى الذاكرة، يتلاشى كل صدى.
دخول من باب، ودخول يليه، ما من خروج. لا يتشابه ارتفاع بآخر، كل موضع طابق بمفرده حتى وإن كان موازياً، كل غرفة أو ممر أو موضع ذو قياسات وزوايا مغايرة. كأنه غير متصل بما يليه مع أن الجدار واحد في أحيان كثيرة.
لا أعرف كيف وصلت إلى قاعة الشمس والقمر، المؤكد أنها لا تلي غرفة النجوى. عبرت قاعات متتالية لابد من المرور بها بسرعة. أحياناً يجب الركض، ولكثرتها من الصعب استعادتها أو استرجاع تفاصيلها. عند الوصول لا يمكن للداخل إلا التطلع تجاه النوافذ الطولية، المزخرفة، الزجاج الملون المحيط بها، المعشّق في الجبس ناصع البياض، تتوزع على مجموعتين، كل منها تضم سبعاً، متصلةً منفصلة.
سبع نوافذ للشمس، سبع نوافذ للقمر..
ضوء الشمس الأصفر بكل درجاته لا يتخلل نوافذ القمر. ضوء القمر الأزرق لا يعبر فتحات الشمس، أما هسيس النجوم فينفذ منها كلها، يتركز في ليالي غياب القمر حتى ليمكن قراءة كتاب دقيق الحروف، هكذا جرى التصميم، وهكذا شاء المصمم. لكن هذا ليس كل شيء، إذ وَضُحَ الأمرُ بحيث تكشف السماء من كل نافذة عن بعض مكنونها، فمن النافذة الأولى –شمسية أو قمرية- يمكن رؤية الأبراج كلها، ومن الثانية تبدو مجرة درب التبانة بما تحوي، ومن الثالثة تلوح كوكبة الفرس كأنها في متناول اليد، ومن الرابعة يمكن بعد تدرب وصيانة رؤية الأكوان الموازية.
في كل لحظة يتبدل الضوء ويتغير، من هنا تلوح درجات يصعب حصرها لكل من الأزرق والأصفر. أما دخول الشمس فيتم بهدوء خافت، لا تبعث قيظاً ولا تنبئ بحرارة، يكون الفرق شاسعاً بين ما هي عليه في الخلاء الصحراوي المحيط، والفراغ الرطب العفيف اللطيف المضموم، لا تتغير الحرارة ولا تتبدل إنْ صيفاً أو شتاءً.
استعدت وقفة صاحبي الفلاحي، رعدة سرت عندي، بقدر ما فيها من رقة؛ بقدر ما تحوي من غموض. هل توقع أمراً؟
يغمرني الأصفر بصحبة الأزرق، يتدفق ليحتويني، عند درجة معينة، تتشكل ملامحها موزعة على نوافذ الشمس، نوافذ القمر، كونية الطلع؛ إذن. تلك الملامح لا تمت إلا لمن اخضعتني لها عند السوق المغطى في مدينة إستانبول، جبرين هناك، السوق المغطى هنا، لا فرق، تتضام الأمكنة عندي بعد ظهورها متنقلة بين النوافذ الأربعة عشر، مصاغة من لونين لا غير، تماماً كما طالعتها أول بارقة، دانياً من مشوقية قوامها، وأنوثية فيضها، عبر الخلاء السحيق، لاغياً كل ما عداه، طاوياً كافة ما عرفت).
توفي جمال الغيطاني في القاهرة بتاريخ: 18 أكتوبر 2015م.
لم تُضَف مراجع لهذا العَلَم بعد.